أبي طالب المكي
20
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
وسئل بعض علمائنا عن معنى الخبر المنقول من التوراة : من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه . فقال : لأن الإيمان عقد وفعل وقول . فإذا تواضع للغني لأجل دنياه بالثناء والحركة إليه ، ذهب ثلثا إيمانه وبقي الثلث وهو العقد ، فإن جعلت الأواسط في الرزق أوائل في الجعل لثبوتها فإن الله تعالى قد أظهرها أسبابا وأثبت نفسه فيها فقال تعالى : * ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) * [ السجدة : 11 ] ، ثم رفعه وأظهر نفسه فقال تعالى : * ( الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) * [ الزمر : 42 ] ، وكذلك قال : * ( أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ) * [ الواقعة : 63 ] ، فذكر الأواسط ثم قال : * ( أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ) * [ عبس 25 - 26 ] ، وقال في التفصيل : * ( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ) * [ مريم : 17 ] . ثم قال تعالى في التوحيد : * ( فَنَفَخْنا فِيها من رُوحِنا ) * [ الأنبياء : 91 ] ، وكان النافخ جبريل عليه السلام . كما قال تعالى : * ( فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) * [ القيامة : 18 ] . قال أهل التفسير : فإذا قرأه عليك جبريل فخذه عنه بعد قوله تعالى : * ( لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به ) * [ القيامة : 16 ] وكذلك قال جبريل : لأهب لك غلاما ذكيا لأن الله تعالى وهب له أن يهب لها . فذكر نفسه وهو يشهد ربه ثم قال في الحرف الآخر : ليهب لك يعني الله تعالى . ومثله قول موسى عليه السلام : لا أملك إلا نفسي وأخي لأجل أن الله تعالى قال : * ( ووَهَبْنا لَهُ من رَحْمَتِنا أَخاهُ ) * [ مريم : 53 ] ، وهو في الحقيقة لا يملك نفسه ولا أخاه إذ لا مالك أصلا إلا الله عزّ وجلّ . وهذا على أحد الوجهين إذا كان وأخي في موضع نصب والوجه الآخر أن يكون قوله وأخي في موضع رفع فيكون المعنى وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه وكذلك قال سبحانه في التفصيل والأمر : * ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) * [ التوبة : 5 ] ، وقال في مثله من ذكر واسطة الأمر : * ( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ ) * [ التوبة : 14 ] ثم قال في التوحيد : * ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَّ الله قَتَلَهُمْ ) * [ الأنفال : 17 ] . وقال في إثبات الأسباب ورفع حقائقها : * ( وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى ) * [ الأنفال : 17 ] ، وقال تعالى في ذكر الأواسط : * ( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِها ) * [ التوبة : 55 ] ، وقال في مثله : * ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) * [ العلق : 4 ] ، ثم قال تعالى : * ( الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) * [ الرحمن : 1 - 2 ] وقال تعالى : * ( عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) * [ الرحمن : 4 ] ، ثم قال : إن علينا بيانه ، وقال في تثبيت الأملاك وبيعها منه بالأعواض كرما منه وفضلا : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ، فجاز ذلك لما ملكهم ما له كقوله تعالى : * ( إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) * [ النساء : 24 ] ، وعند أهل المعرفة أن لا فاعل حقيقة إلا الله عزّ وجلّ ، لأن حقيقة الفاعل هو الذي لا يستعين بغيره بآلة ولا سبب ، وعندهم إن فعلا لا يتأتى من